المنجي بوسنينة

543

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

بمجموعة « الاعدام » سجل نفسه رأسا بين الرواد الأوائل للقصة العربيّة الحديثة . وكانت قصصه وقصص العواد نماذج ودلائل على القفزة الفنية الواسعة التي حققها القصص العربي » [ الفنون الأدبيّة ، ص 507 - 508 ] . وقصصه من صميم الحياة . يقول في مقدّمة مجموعته « عشر قصص من صميم الحياة » : « . . . أنا أكتب القصة لأصول الحياة كما تراها عيناي ، لا عينا غيري ، وألقي شيئا من النور على نواح منها يمر بها الناس ولا يقفون ، وهؤلاء الأشخاص الذين تعمر بهم هذه القصص ليسوا أشباحا أبدعتهم مخيلتي إبداعا ، بل هم بشر من لحم ودم ، نقلتهم من مسرح الحياة ، وكان الأدب سبيلي إلى ذلك ، وفي وسعي أن أضع على جبين كل واحد منهم اسما يعرفه الناس » . وخليل تقي الدين يسعى إلى أن يكون صادقا في تصويره لشخوصه وأبطاله ، فهو يصورهم كما هم على حقيقتهم ، ولا يطمح إلى تغييرهم . يقول في المقدمة : « أنا ، إذن ، أعبّ من الحياة الينبوع الأكبر الذي لا ينضب ، فإليها مرد إبداعي أو إخفاقي . ولست أطمح إلى تغيير ما اشتملت عليه الحياة ، بل إلى تصويره . وما همّني إن كانت الحياة كلها كذبا وخداعا وخيانة واجراما ، فجاءت قصصي تمثل ذلك ، وقال الناس : يا له من متشائم ، أو ما همني إن كانت الحياة على عكس ذلك ، صدقا ، ووفاء ، وإخلاصا ، فظهرت صورة هذه الفضائل في قصصي ، وقال النقاد : يا له من كاتب لم يغمس قلمه في شقاء التاعسين ، ولم ير من الحياة إلّا وجهها الضاحك . أنا في ذلك كله لا أختار صوري اختيارا ، بل أكتب ما تملي عليّ الحياة . وأكبر همي أن تكون الصورة صادقة إلى حد بعيد » . [ على هامش ، ص 5 - 6 ] . وللتمثيل على أسلوبه في الكتابة القصصية نورد هذا المقطع من إحدى قصصه العشرة بعنوان « فارس الشامي » . وحكاية فارس أنّه كان غائبا في المهجر وأمه تنتظر عودته بفارغ الصبر ، فلما حضر كان فرحها به عظيما . وائتمرت لتزويجه ، من غير معرفته ولا أخذ رأيه ، إحدى بنات قريته ، فاعترض في بادئ الأمر ، وهو الذي كان في بلد ينعم الناس فيه بالحرية . إلّا أنّه رضخ في النهاية ، إرضاء لوالدته التي كانت تصر على أن ترى أولاده يدبون في البيت ، قبل وفاتها . غير أنّ والدته ما لبثت أن توفيت بعد فترة قصيرة من زواجه ، فلم تتحقق رغبتها في رؤية عقبه . فكانت الكارثة عليه ، وعلى زوجته ، لأنّه تركها بعد ذلك عائدا إلى أميركا . ويختم تقي الدين هذه الأقصوصة بالنص الآتي : « بعد أسبوع ، كان فارس الشامي يلقي نظرة على سلسلة جبال لبنان وقراه المنتشرة في سفوحه وعلى قممه ، وهو متكئ على حاجز الباخرة الخشبي ، والباخرة تتهادى خارجة من مرفأ بيروت ، ويجيل في بلاده التي يتركها من جديد ، ولكن إلى الأبد ، عينين مغرورقتين بالدموع . ويأتي موكب البغلة إلى القرية ( وهي البغلة التي تحمل ساعي البريد ) كل سبت ويروح ، وأدما ( زوجته ) تنتظر ساعي البريد ، والساعي